الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

285

مناهل العرفان في علوم القرآن

نعم . عمل الرسول على كتابة القرآن ، وكان له كتّاب يكتبون الوحي كما سبق ، وكان بعض الصحابة يكتبون القرآن لأنفسهم كذلك ، غير أن هؤلاء وهؤلاء كانوا فئة قليلة بجانب الجمّ الغفير من سواد الأمة الكثير . ولعلك لم تنس أن كتابة القرآن في عهد الرسول كان الغرض منها زيادة التوثّق والاحتياط للقرآن الكريم ، بتقييده وتسجيله بالنقش ، فوق تقييده وتسجيله بالحفظ . أما السنة النبوية فقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه عن كتابتها أول الأمر مخافة اللبس بالقرآن ، إذ قال عليه الصلاة والسلام : « لا تكتبوا عنّى ومن كتب عنّى غير القرآن فليمحه ، وحدّثوا عنّى فلا حرج ، ومن كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار » رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري . نعم . خشي الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يختلط القرآن بالسنّة ، إذا هم كتبوا السنة كما كانوا يكتبون القرآن ، أو أن تتوزّع جهودهم وهي لا تحتمل أن يكتبوا جميع السنة وجميع القرآن فقصرهم على الأهم أولا وهو القرآن ، خصوصا إذا لاحظنا أن أدوات الكتابة كانت نادرة لديهم إلى حدّ بعيد ، حتى كانوا يكتبون في اللّخاف والسّعف والعظام كما علمت . فرحمة بهم من ناحية ، وأخذا لهم بتقديم الأهم على المهم من ناحية ثانية ، وحفظا للقرآن أن يشتبه بالسنة إذا هم كتبوا السنة بجانب القرآن نظرا إلى عزّة الورق وندرة أدوات الكتابة ، رعاية لهذه الغايات الثلاث نهى الرسول عن كتابة السنة . أما إذا أمن اللبس ، ولم يخش الاختلاط ، وكان الأمر سهلا على الشخص ، فلا عليه أن يكتب الحديث الشريف ، كما يكتب القرآن الكريم . وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الإذن بكتابة السنة آخر الأمر ، والواردة في الإذن لبعض الأشخاص